َاذَا لَوْ أَنَّ الْأَمَاكِنَ الَّتِي تُزَعْزِعُكَ هِيَ ذَاتُهَا الْأَمَاكِنُ الَّتِي يَسْتَخْدِمُهَا اللهُ لِيُشَكِّلَكَ؟
لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّنِي كُنْتُ أَبْحَثُ عَنِ النِّعْمَةِ - حَتَّى وَجَدْتُ نَفْسِي فِي أَمَاكِنَ جَرَّدَتْنِي مِنَ الْيَقِينِ.
نَشَأْتُ بَيْنَ ثَقَافَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَأَنَا أُصَارِعُ سُؤَالَ الْهُوِيَّةِ، وَكَانَ هُنَاكَ سُؤَالٌ يُلَاحِقُنِي بِاسْتِمْرَارٍ: مَنْ أَنَا؟ وَعِنْدَمَا بَدَأْتُ الْخِدْمَةَ فِي الرِّحْلَاتِ الْإِرْسَالِيَّةِ عَبْرَ أَفْرِيقِيَا مَعَ الرَّابِطَةِ الطِّبِّيَّةِ الْقِبْطِيَّةِ لِأَمْرِيكَا الشَّمَالِيَّةِ (CMANA)، بَدَأَتِ الْإِجَابَةُ تَنْكَشِفُ تَدْرِيجِيًّا. فَمِنْ خِلَالِ كُلِّ لِقَاءٍ - مَعَ أُولَئِكَ الَّذِينَ خَدَمْتُهُمْ وَالَّذِينَ خَدَمُوا مَعِي - بَدَأْتُ أَرَى الْمَسِيحَ بِطُرُقٍ لَمْ أَخْتَبِرْهَا مِنْ قَبْلُ. وَفِي كُلِّ عَمَلِ خِدْمَةٍ وَفِي كُلِّ لَحْظَةٍ كَانَتْ تَتَكَشَّفُ أَمَامِي، شَهِدْتُ عَمَلَ النِّعْمَةِ - لَا مِنْ حَوْلِي فَقَطْ، بَلْ فِي دَاخِلِي أَيْضًا.
هَذِهِ هِي قِصَّةُ كَيْفَ الْتَقَتْ بِي النِّعْمَةُ فِي أَمَاكِنَ غَيْرِ مَأْلُوفَةٍ، وَأَعَادَتْ تَشْكِيلَ فَهْمِي لِلْهُوِيَّةِ وَالْغَايَةِ وَالِانْتِمَاءِ.
.لِيُذَكِّرْكَ هَذَا الْكِتابُ أَنَّ النِّعْمَةَ لَيْسَتْ بَعِيدَةً أَبَدًا - بَلْ هِيَ تَعْمَلُ حَتَّى الْآنَ - تَقُودُكَ نَحْوَ الِانْتِمَاءِ الَّذِي كَانَ قَلْبُكَ يَبْحَثُ عَنْهُ، حَتَّى فِي الْأَمَاكِنِ الَّتِي تُشَكِّلُكَ
هذا ليس كتابًا يُقرأ، وإنما هو رحلة تأملية عميقة للنفس ذات محبة المسيح في خدمتها وكرازتها، بل تُسجَّل بحروف الأبجدية المعروفة، في نبضات قلبٍ حيّة فيها المشاعر والأحاسيس، واكتشاف الذات، والأعمال الروحية التي أرسلها الله من خلال بشر خلقهم على هذه الأرض ليكونوا رسائل حيّة مؤثرة لكل من يشتاق أن يعرفه، ويقترب إليه، ويحيا معه.
قداسة البابا تواضروس الثاني