ما الذي يتبقى من الإنسان حين تصمت كل الحناجر، وتتحول الكلمات إلى صدى يتردد في فضاء موحش؟ في أحبال وأنغام، يفكك يوسف الغزالي حبال الصوت وأواصر المعنى؛ لا ليصوغ قصائد كلاسيكية مألوفة، بل ليخوض تجربة وجدانية تتجاوز ثنائية القوة والهشاشة.
تتحرك صفحات هذا العمل بين وتيرة الغموض والتأمل الصوفي، وبين ندوب الذاكرة وأسئلة الكرامة والمصير. إنه عالم تسكنه الرغبة في الانعتاق، وتتنازعه رغبة الانكفاء في صومعة الذات تارة، والاشتباك مع وجع الأمة والإنسانية تارة أخرى. تتشابك الرؤى في هذا الجزء الأول؛ فكل حبل هنا نداء، وكل نغم بوح يرفض الاستكانة لقيود الرتابة، صاعداً بالقصيدة العمودية والتفعيلية نحو تخوم من المكابدة الصادقة التي تجرد الشعور من أقنعته المستعارة.
وعندما تظن أنك أحطت بمجاهل البوح، يأخذك الديوان في شطره الثاني إلى دهشة الحوار الشعري مع كبار القريض عبر فن التشطير، كأن الكاتب يعيد تشكيل التاريخ والذاكرة بين أبيات المتنبي والشابي وشوقي، لينسج صوتاً ثالثاً يولد من شغف اللقاء والارتطام. هذا ليس مجرد كتاب يُقرأ على مهل، بل تجربة تتلمس فيها نبضك الضائع، وتكتشف بين فواصلها كيف يتحول الألم المحترق في الأحشاء إلى لحن خالد لا يُنسى